لسان الدين ابن الخطيب
7
الإحاطة في أخبار غرناطة
وخاطبا إثره وودّه ، مسترفدا من منحة قبوله ، فألفيت بشرا مبذولا ، ورفدا ممنوحا ، وعزّا باذخا ، يضيق الزمان عن جلالته ، وتقصر الألسنة عن كنه وصفه ، فكان دخولي عليه في الثامن والعشرين من شهر ذي قعدة عام خمسة وخمسين المذكور ، وأنشدته بين يدي المخاطبة ، ومضمن الرسالة : [ المنسرح ] خليفة اللّه ساعد القدر * علاك ما لاح في الدّجى قمر فأحسب وكفى ، واحتفل واحتفى ، وأفضت بين يديه كرمته ، إلى الحضور معه في بعض المواضع المطلة على مورد رحب . هاج به الخدّام أسدا ، أرود ، شثن الكفّين ، مشعر اللّبدة ، حتى مرق عن تابوت خشبي كان مسجونا به ، من بعد إقلاعه ، من بعض كواه ، وأثارته من خلفه ، واستشاط وتوقّد بأسا . وجلب ثور عبل الشّوى ، منتصب المروى ، يقدمه صوار من الجواميس ، فقربت الخطى ، وحميت الوغى ، وبلغ الزئير والجوار ما شاء ، في موقف من ميلاد الشيم العلى يخشى الجبان مقارعة العدا ، ويوطن نفسه الشجاع على ملاقاة الرّدى ، وخار الأسد عن المبارزة ، لما بلغ منه ثقافا عن رد المناوشة ، ومضطلعا بأعباء المحاملة ، فتخطاه إلى طائفة من الرّجالة ، أولي عدّة ، وذوي دربة ، حمل نفسه متطارحا كشهاب الرّجم ، وسرك الدّجى ، وأخذته رماحهم بإبادته ، بعد أن أردى بعضهم ، وجدّل بين يدي السلطان ، متخبطا في دمه . وعرّض بعض الحاضرين ، وأغرى بالنظم في ذلك ، فأنشدته : [ الكامل ] أنعام أرضك تقهر الآسادا * طبعا كسا الأرواح والأجسادا وخصائص للّه بثّ ضروبها * في الخلق ساد لأجلها من سادا إن الفضائل في حماك بضائع * لم تخش من بعد النّفاق كسادا كان الهزبر محاربا فجزيته * بجزاء من في الأرض رام فسادا فابغ المزيد من آلائه بشكره * وارغم بما خوّلته الحسّادا فاستحسن تأتّي القريحة ، وإمكان البديهة ، مع قيد الصّفة ، وهيبة المجلس . وكان الانصراف بأفضل ما عاد به سفير ، من واد أصيل ، وإمداد موهوب ، ومهاداة أثيرة ، وقطار مجنوب ، وصامت محمول ، وطعمة مسوعة . وكان الوصول في وسط محرم من عام ستة وخمسين وسبع مائة ، وقد نجح السّعي ، وأثمر الجهد ، وصدقت المخيلة ، وقد تضمّن رحلي الوجهة ، والأخرى قبلها جزء . والحمد للّه الذي له الحمد في الأولى والآخرة . وتوفي ، زعموا ، بحيلة ، وقيل : حتف أنفه ، لمّا نهكه المرض ، وشاع عنه الإرجاف ، وتنازع ببابه الوزراء ، وتسابق إلى بابه الأبناء . وخاف مدبّر أمره ، عايدة ملامته ، على توقع برئه ، وكان سيفه يسبق على سوطه ، والقبر أقرب إلى من